محمد أبو زهرة

1760

زهرة التفاسير

يجعل مودة أيا كان مقدارها بين المتعاشرين أو المتجاورين أو المتجانسين ! لقد فقدوا هذا فقدا تاما ، وهذا شأن كل من ينفصل عن جماعته بالإحساس والأنانية الخسيسة ! ! وفي قوله تعالى : فَوْزاً عَظِيماً إشارة إلى استعظام الخير الذي ينال المؤمنين ، شأن الحسود غير المحب . وإن هؤلاء الذين يعيشون مع جماعة المؤمنين ، ولا يحسون بإحساسهم ، لا يخرجون إلى قتال ، وإنما يخرج للقتال أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ، ويقدمونها لله تعالى رجاء ما عنده ، فهؤلاء هم القوة ، وهم العماد في الحروب والشدائد ، ولذا قال سبحانه : فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ إذا كان المخذلون يتربصون بالمجاهدين ، فإنه يجب أن يكون الجهاد للمخلصين ، وأن يبعدوا عنهم المعوقين ، فإنهم لا يزيدونهم إلا خبالا واضطرابا ! فليتقدم للقتال الذين لا ينظرون إلى مغنم يبتغونه ، ولا مال يريدونه ، إنما يبيعون الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها ، ويطلبون ثمنا هو الآخرة وما فيها من جنات وعيون ، ونعيمها ثابت دائم ، ومعها رضوان الله تعالى . وسبيل الله التي يجب القتال فيها هي سبيل الحق ، وإعلاء دينه ، وجعل كلمة الله هي العليا . و « يشرون » هنا معناها يبيعون أنفسهم ، وذلك مثل قوله تعالى : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ( 102 ) [ البقرة ] وقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ( 207 ) [ البقرة ] وقوله تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ( 20 ) [ يوسف ] أي باعوه . وإن الذي يبيع نفسه لله ، ليفتدى الحق وأهله ، له جزاؤه وأجره العظيم ، ولذا قال سبحانه : وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .